الموقع في طور التطوير والتحديث

رسائل دعوية

رسالة إلى صاحب الطبق العالي

رسالة إلى صاحب الطبق العالي

رسالة إليك أنت بالذات، أنت عظيم الهدف وكبير الغاية، أنت المعلم، أنت العامل، أنت الجندي، أنت الطالب، ولو لم تكن من كل أولئك فأنت رب الأسرة ومعيلُها، أنت الراعي لهم بعد الله، الزوجةُ أسيرةٌ تحت يدك، والأبناء أمانةٌ في عنقك، والجيران أنت مسؤول عنهم وعن حسن جوارهم. من هذا المنطلق أحببت الحديث معك واللقاء بك؛ لا على كرسي الضيافة؛ ولكن عبر هاتف الكلمة ومصداقية النصيحة، فأقول: حدّثني زميلي قبل زمن أنك من أنصار القنوات الفضائية مادحًا ومبجلًا ومعجبًا، هالني خبرك، وآلمني حديثك، وتمنيت يومها أن زميلي ما حدّثني ولا ذكرني، ومرت الأيام وأنا أشعر في قلبي بأسى.

الخبر يطْمس شيئًا من مآثر شخصك الكريم. جالت بنا الأيام فحدّثني آخر عن أمانيك، فإذا بها أن تكون يوما تدبّر مشاهد العالم برأس أصبعيك على جهاز (الريموت) الصغير، فزدت بذلك لوعـة وخوفًا على مستقبلك، وكل ما يمنعني يومها عن التحدث إليك كبرك في خاطري وعظيم نفسك في مخيلتي، وكانت الكلمات تؤلمني؛ لكن سرعان ما يمسح ذلك كله يوم أن أراك راكعًا ساجدًا لمولاك، وأمس بالذَّات.

ومع كل أسف ترجمت الحديث والأماني إلى حقائق واقعية، فهالني صحن الاستقبال (الدش) فوق سطح منزلك، توقفت، أعدت النظر، كررت؛ نعم، هي مأساة لابد منها، هو الحزن لابد منه، هو التأنيب والمساءلة المرة، نعم، هو الجراح الذي يسيل الدماء بمجرد نظرة إلى علو سطحك البائس. جلست أسأل نفسي: هل هذا هو الذي يتردّد على المساجد، هل هذا هو القانت الداعي؟! هل هذا هو الراكع الساجد؟! دعني أخي اليوم أناقشك، دعني أهامسك بحديث الود، فوالله لولا الشفقة عليك ما حدّثتك ولا سألتك ولا حتى أضمرت في نفسي حزنا وأسى على ما دنست به نفسك وأضعت به أسرتك وكنت جار سوء على حيّك ومجتمعك.

أخي الفاضل: هل بإمكانك – بارك الله فيك – أن تجمع بين متناقضين اثنين؛ طاعتك، صلاتك سجودك، دعائك، وبين مجاهرتك بهذا الطبق العالي فوق منزلك، أولم تقرأ حديث رسولك الكريم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون».

وما أدري كيف لو فاتتك معافاة ربك في هذه الحياة؛ قد يتحوّل السّتر الذي عليك فضيحة في نفسك، وكشف عورات لأهلك، وعاقبة سوء في أسرتك، ومقالة سوء تتأجج على كل لسان في كل طريق، ولا تأمن ذلك؛ فمن استخفيت به ولم ترع له قد يمكر بك؛ فتكون ضحية نفسك الأمارة بالسوء.

أخي الفاضل: العين المسكينة التي تحدّها للنظر في محارم الله عبر هذا الطبق، ألست مسؤولًا عنها وقد قال رسولك: «العين تزني وزناها النظر»؟! فما جوابك عند ربك في إسرافك على هذه النعمة في غير حقها، وستدرك يوما أنها هي التي ستكون خصما لدودا لك؟!

أخي الفاضل: لماذا أنت بالذات غلبتك شهوتك؟ لماذا شطحت بك نفسك؟ لماذا شعرت بالإلزامية حتى اندمست فطرتك فتلقفت ذراعيك صنع أعدائك وشانئيك؛ بل تغيّرت معالم الفطرة لديك فأدخلتهم قعر بيتك وجعلتهم قدوات لزوجك وابنك وسائر أسرتك وأخويك.

أخي الفاضل: المسكينة تلك المرأة، الأسرة الضعيفة إذا شاهدت سفهًا في الأخلاق وسوءًا في المعاملة وازدادت بعدًا عن الله، كيف تجيب المسكينة ربّها يوم يسألها، يوم يعاقبها، يوم يأخذ بناصيتها، يوم تقول بملء فمها: ظلمني يا رب، ظلمني يا رب، والله وما خرجت ولا اتجهت، ولكن آذاني به في قعر بيتي فأَسأت وأخطأت.

أخي الفاضل: أولم تفكر في أولادك الصّبية يوم يتعلقون بك فيقبّلونك ويمازحونك، يسرحون ويمرحون فرحا وسرورا بك وهم والله يا أخي في أحوج ما يكونون إلى حنان وتربية يعيشون بها في ظلال الجنان، فكيف بك تنسى معالم الأبوة لهم فتفتح لهم بابا إلى النار يرونه وهم صغار أشبه ما يكون بالسراب الذي يعتقدون أنه ماء، فيتضح لهم أنه لهب يحرق غيرتهم ويؤلم أعينهم وينكس فطرهم، فيكونوا ضحية تصرّفاتك المشينة؛ فلا حياة خيرة لأنفسهم ولا دعوة صالحة لأبيهم؛ بل شر محض وداء مؤلم على مجتمعهم.

أخي الفاضل: كل هذه المآسي التي ذكرت تكفي كل مسلم من أمثالك أن يتفكَّر في عاقبة أمره، فكيف يا أخي إذا ضم لذلك حديث رسولك: «ما من عبد يسترعيه الله يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة»؛ بل فكّر مليًا أنك بشرائك لهذا (الدش) كنت قدوة سيئة لمجتمعك، وحينها يكون كل من شرى هذا أو نظر فيه أو شارك في وجوده عليك من سيئاتهم مثل ما عليهم حتى تقوم الساعة؛ مصداقا لقول ربك: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) [سورةالنحل: ٢٥]؛ بل وأنت في ظلمة القبر يجري عليك هذا بسيئاته يوما تلو يوم؛ فتكون في قبرك رهين سيئات مجتمعة أثر تصرفاتك المشينة؛ مصداقا لحديث رسولك: «من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».

فما أدري، هل أنت على استعداد أن تضحي بهذه النفس نتيجة شهوات عاجلة، وغدا ليس ببعيد تقف في عرصات القيامة عريانا من الثياب صامتا غلقا خاشعا متفكرا وربك أمامك يسألك: لماذا يا عبدي تسيء إليّ؟ لماذا يا عبدي تستخف بي؟ لماذا تؤثر عاجلًا فأنت زائل على أجل باق مستقر.

أخي الفاضل: وجهت إليك هذه الرسالة حبًا فيك أولا، وثانيا أخشى غدا أن تراني في عرصات القيامة فتشكوني إلى الله فأصبح رهين شكوتك المؤلمة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى